emad_fahmy
01-13-2008, 10:21 AM
الحب والعدل بين حجري طاحونة
12/01/2008
بقلم نصر القوصي
أرسل لي صديقي المفكر القبطي نشأت عدلي مقال غاية في الروعة يحكي تفاصيل الزمن الجميل بين مسلمي ومسيحيي مصر، والذي تغير دون أن نعرف الأسباب. ونظراً لجمال هذا المقال أرسله لكم للنشر حيث أكد نشأت في بداية مقالته قصة شادية وحوادث قرية الشغب ومدينة إسنا وما قبلها (إسكندرية وقرية مها) قصص غـريبة السيناريو ذات ردود أفعال عنيفة ولا تتناسب مع القرن الواحد والعشرين، وليست القصص ذاتها هي المؤلمة ولكن المؤلم فيها هو موقف مجتمع ملتهب نحو الآخر وشديد الحساسية، ليس في القضايا العامة فحسب بل حتى في الخلافات العادية التي تُهدر فيها كل الحقوق والقوانين الإنسانية، إن الأعراف القبلية التي عاشها آباؤنا وأجدادنا، كان الحب والعدل أساس أحكامهما، أمّا الآن، أين العدل الذي تستند عليه الأحكام ضد الآخر؟! هل هو حبس المجني عليه وترك الجاني؟! لقد كان الحب الصادق والانتماء هما القوة المحركة لكل انفعالاتنا تجاه كل مايحدث لبلادنا أو أسرنا وجيراننا وحتى لمشاكلنا الخاصة، أما الآن التعصب الأعمى هو المحرك الوحيد للتشنجات المدمرة التي نراها والاحتكاكات المقصودة التي نعيشها، وقد تحدث في أي لحظة، وأمام أصغر مشكلة عادية! لقد عشنا الانتماء كحياة داخلنا المعايشة الحقيقية للوطن وللعلاقات الإنسانية، انتماء للأسرة، وانتماء لكل الذين نعيش بينهم، فكان الانتماء والحب هما الأساس الصادق لكل علاقاتنا وتصرفاتنا، أما الآن إذا سألت أحداث السن عن معنى الانتماء؟ ولمن يكون؟ صدقوني ستجدوا إجابات فلسفية ولكن دون معنى، لأننا أولاً قد تناسينا هذا الانتماء أو قل سقط من ذاكرتنا، وثانياً أبناؤنا لم يشعروا به أو أحسوا به، بل فقدوه من مهدهم بفقدنا له، ولن يعرفوا معناه الحقيقي إذا سألناهم.. لماذا؟ لأن كل الأحداث التي عاشوها وشاركوا فيها تؤكد لهم عدم الانتماء، مثل عدم الاحترام للمواطن وعدم احترام مشاعـره وإهانات رجال الأمن وحبس المظلومين وترك الجناة...إلخ، هذا أدى إلى عدم اهتمامهم أو معرفتهم بمعنى الانتماء أو الإحساس به كشعور بديهي داخلهم، هذا بالإضافة لمشاهدتهم إلى فرق التعامل المواطن الغربي في بلده وبلادنا وتعاملهم المشين والتفرقة الواضحة مع أبناء البلد، كل هذا أدى إلى فقد الانتماء لمعناه الحقيقي لديهم، بالإضافة إن مدارسهم لم تعلمهم الانتماء للأسرة الكبيرة، بل زرعـوا في نفوسهم التميُز بينهم وبين الآخر وأن الانتماء للدين فقط ولا شيء آخر، وأبناءنا أيضاً لم يشعروا بحرص الأسرة الكبيرة عليهم أو الاهتمام بمستقبلهم لينتموا بعشق لها مثل النظام التعليمي المتخبط والكثير الحركة، عدم ضمان مستقبل الخريجين والبطالة، الحركة السريعة للأسعار وازديادها الجنوني في السلع ورسوم المدارس والجامعات وعدم ملاحقة الدخل لهذه الزيادة، وأشياء أخرى كثيرة، كل هذه جعلت أبناءنا متمردين على مبادئنا التي عشناها ونعيشها بل في بعض الأحيان ساخرين من أقوالنا عن حب الوطن والانتماء له وعن المحبة والعلاقات الأصيلة لزماننا الذي مضى للأبد، فعلاقاتنا لا زالت قائمة للآن على المحبة وحسن الجوار والمعاملة، لم تكن قائمة على أساس المصلحة ولكنها على أساس الأصالة والصدق في المشاعر، لم نكن نعرف ديانة هذا أو ملة ذاك لكننا نعرف أن هذا إنسان ذو خُلق حسن، فكنا نعامله ونتعامل معه، أما الآن وقبل أي تعامل مع أي إنسان تجد سؤلاً ظاهره مهذب -إنت بتصلي يوم الجمعة أو الأحد؟ وبناءً على الإجابة يبدأ الحديث أو لا يبدأ أو ربما يبدأه بخباثة وتشكيك..
كانت الوظائف لكل فرد ذو كفاءة، تعتمد على الأمانة أو المؤهل الحاصل عليه، أما الآن فلا وظائف تعتمد على الكفاءة أو الأمانة أو حتى الخبرة، وأصبحت تعتمد على أشياء أخرى لم نكن نعرفها أو حتى نفكر بها.
منازلنا كانت متلاصقة، كذلك نحن وجيراننا وأصدقائنا أكتافنا متلاصقة لنحتمي ببعضنا ونتقي من الشرور وتدفئنا محبة القلوب، (الفطار عند أم محمد والغدا عندك أم مرقس والعشاء كلنا مع بعض نتلم في الحوش شيماء وأم سعيد وراحيل ومريم)، أما اليوم ذهبت شيماء وراحيل وتفككت الجدار، والأكتاف المتلاصقة تباعدت كما لو كانت خجلى من تصرفاتنا، وأصبحَ لكل أحد جداره المنفصل، وكلٌ يأكلُ بمفرده.
كانت المشاعر ملتهبة حباً ولهفة على أخبار الكل بصدق (فلانة عيانة إنت تروحي النهاردة الصبح، وأنا العصر، وإنت بكرة، وأنا حأجهز الغدا لعيالها، وإنت عليكي العشا)، حب صادق دون غش ورياء، حب للحب فقط، أما الآن فالمشاعر ملتهبة ولكن ليست حباً أو تعاوناً ولكنها ملتهبة حقداً وكراهيةً وكلٌ يترصد لكلٍ ويتصيد الأخطاء للقريب والبعيد، وآه لمن يقع تحت يده، وتزيفت المشاعر خداعاً.
عندما كنا نسافر للمصيف نرى الجيران حولنا (دي تستف الشنط ودي تخيّط السَبَت اللي فيه العيش وواحد يجيب قفة مملؤة من خيرات ربنا) وبإصرار شديد يوصلونا لمحطة القطار ودموع الوداع الحارقة تنهار في صدق، ومليون توصية بعدم الغياب كثيراً وإرسال الخطابات للاطمئنان، لذا كنا نتلهف كثيراً للعودة إلى الديار التي بها كل أحبائنا بحب واشتياق، أما الآن نهاجر إلى أبعد البلاد ولا نجد حتى ما نسميهم أصدقاء يأتوا حتى للسلام أو الوداع وربما يكون الأخير.
إذا جاءت وظيفة لأحد ما في المدن كالقاهرة أو بني سويف تجد الكل يحوط بك بحنان وإشفاق صادق وعجيب ويحاولوا أن يثنوك عن هذا العمل حتى لا تفترق الأحباب، وإيه ياولدي اللي يغربك عن بلدك وحبايبك، خليك معانا محدش بيموت من الجوع، وتيجي العشية كلها متعشية، ولقمة هنية تكفي ميه، تسمعها بكل الصدق والحب والحنان، وتجد هذا يدس في الخفاء ليدك جنيهات قليلة وتجد نفسك مُحاط بحنان يكاد يثنيك عما اعتزمت عليه من سفر، واليوم نحن الذين نشجع أبنائنا وبناتنا على السفر ليس داخل البلاد بل خارجها هرباً من مشاعر اندثرت ومن أحقاد قد تؤدي إلى فقد الحياة نفسها ومن مجاعة أسعار في تزايد مرعب دقت الأبواب.
لقد كانت أبواب منازلنا دائماً مفتوحة لا تُغلق أبداً، وكان أبناءنا مع أبناء جيراننا دائماً، أنام وأنا مطمئن إن حسين مع مريم بنتي يذاكر لها ويشرح لها الدروس الصعبة -عشان ما فيش دروس خصوصية في تلك الأيام– يعدي عليها الصبح بدري تروح معاه المدرسة لأنها صغيرة ولسه مش عارفة المكان، يقعد حسين وأحمد ومرقس يتغدوا مع بعض وأبواب منازلنا مفتوحة عشان يدخل هو ربنا النظيف داخل رئتينا فيقذف ما بها من غبار الأفكار الخبيثة، مش خايفين لكن بالعكس مطمئنين وإحنا ملمومين، كانت الطبلية تجمعنا والشاي يجمعنا، المذاكرة والنجاح وحتى الفشل كان يجمعنا، كل الأحداث كانت تجمعنا، لو بنتي أو ولدي اتأخروا عن ميعاد حضورهم للمنزل البلد كلها تتقلب وتدور لغاية ما تجمعهم، وتجمعنا معاهم، في الأفراح والأتراح كنا ملتصقين متحابين، كانت أكتافنا مُلتصقة بأكتاف أصدقائنا وجيراننا فنقي أنفسنا من لفحات الشر والدسيسة، نحتمي ببعضنا وندافع عن بعضنا، لكنه أتى الزمن التي قُفلت فيه أبوابنا، وتباعدت أكتافنا، ونجحوا في تفرقة (لمّتنا) وتجمُعنا، حتى بناتنا أصبح يلذ لهم خطفها، اعتقدوا أنه بذلك يرضون الله والدين، وهم لا يدرون أن هذا ضد الدين، لأن كل ما يؤذي الإنسان أو يضره ضد الدين، لأن الدين جاء لإسعاد الإنسان والحفاظ على كرامتة، وبهذه الأفعال أغلقوا الأبواب، أبواب المحبة والخير، أبواب الوفاء والعشرة الطيبة، وتفتحت أبواب أخرى ولكنها للشر والغدر والتربص للوقيعة واستبدلت النسمة الجميلة برياح مسمومة امتلأت بها الأمخاخ والنفوس.
أين نحن اليوم يا سادة من هذا الأمس القريب؟ أن الشعب هوهو، من الذي تغير؟ ومن الذي غيرنا؟ هل أهالينا لم يعرفوا الله مثلما تعرفونه اليوم؟ هل لم تكن لديهم ثقافة أو معرفة دينية مثل التي لديكم اليوم؟ أم أن التطرف والتعصب الأعمى أصبح هو المعرفة الحقيقية وهو الذي يبني الدول ويؤسس السياسات؟ إننا لا نتعامل بديانتنا ولكن بأخلاقنا وتربيتنا ومعاملاتنا، إننا نعمل على حسب كفاءتنا ليس على حسب مذاهبنا.
إننا نعيش مع الناس وبينهم ونتعامل معه ومع كل تعامل تكون هناك خلافات، ولكن كيف نتعامل مع هذه الخلافات؟ هذا هو الفرق بين زماننا وهذا الزمان الكئيب الذي يقف فيه كلُ للآخر.
12/01/2008
بقلم نصر القوصي
أرسل لي صديقي المفكر القبطي نشأت عدلي مقال غاية في الروعة يحكي تفاصيل الزمن الجميل بين مسلمي ومسيحيي مصر، والذي تغير دون أن نعرف الأسباب. ونظراً لجمال هذا المقال أرسله لكم للنشر حيث أكد نشأت في بداية مقالته قصة شادية وحوادث قرية الشغب ومدينة إسنا وما قبلها (إسكندرية وقرية مها) قصص غـريبة السيناريو ذات ردود أفعال عنيفة ولا تتناسب مع القرن الواحد والعشرين، وليست القصص ذاتها هي المؤلمة ولكن المؤلم فيها هو موقف مجتمع ملتهب نحو الآخر وشديد الحساسية، ليس في القضايا العامة فحسب بل حتى في الخلافات العادية التي تُهدر فيها كل الحقوق والقوانين الإنسانية، إن الأعراف القبلية التي عاشها آباؤنا وأجدادنا، كان الحب والعدل أساس أحكامهما، أمّا الآن، أين العدل الذي تستند عليه الأحكام ضد الآخر؟! هل هو حبس المجني عليه وترك الجاني؟! لقد كان الحب الصادق والانتماء هما القوة المحركة لكل انفعالاتنا تجاه كل مايحدث لبلادنا أو أسرنا وجيراننا وحتى لمشاكلنا الخاصة، أما الآن التعصب الأعمى هو المحرك الوحيد للتشنجات المدمرة التي نراها والاحتكاكات المقصودة التي نعيشها، وقد تحدث في أي لحظة، وأمام أصغر مشكلة عادية! لقد عشنا الانتماء كحياة داخلنا المعايشة الحقيقية للوطن وللعلاقات الإنسانية، انتماء للأسرة، وانتماء لكل الذين نعيش بينهم، فكان الانتماء والحب هما الأساس الصادق لكل علاقاتنا وتصرفاتنا، أما الآن إذا سألت أحداث السن عن معنى الانتماء؟ ولمن يكون؟ صدقوني ستجدوا إجابات فلسفية ولكن دون معنى، لأننا أولاً قد تناسينا هذا الانتماء أو قل سقط من ذاكرتنا، وثانياً أبناؤنا لم يشعروا به أو أحسوا به، بل فقدوه من مهدهم بفقدنا له، ولن يعرفوا معناه الحقيقي إذا سألناهم.. لماذا؟ لأن كل الأحداث التي عاشوها وشاركوا فيها تؤكد لهم عدم الانتماء، مثل عدم الاحترام للمواطن وعدم احترام مشاعـره وإهانات رجال الأمن وحبس المظلومين وترك الجناة...إلخ، هذا أدى إلى عدم اهتمامهم أو معرفتهم بمعنى الانتماء أو الإحساس به كشعور بديهي داخلهم، هذا بالإضافة لمشاهدتهم إلى فرق التعامل المواطن الغربي في بلده وبلادنا وتعاملهم المشين والتفرقة الواضحة مع أبناء البلد، كل هذا أدى إلى فقد الانتماء لمعناه الحقيقي لديهم، بالإضافة إن مدارسهم لم تعلمهم الانتماء للأسرة الكبيرة، بل زرعـوا في نفوسهم التميُز بينهم وبين الآخر وأن الانتماء للدين فقط ولا شيء آخر، وأبناءنا أيضاً لم يشعروا بحرص الأسرة الكبيرة عليهم أو الاهتمام بمستقبلهم لينتموا بعشق لها مثل النظام التعليمي المتخبط والكثير الحركة، عدم ضمان مستقبل الخريجين والبطالة، الحركة السريعة للأسعار وازديادها الجنوني في السلع ورسوم المدارس والجامعات وعدم ملاحقة الدخل لهذه الزيادة، وأشياء أخرى كثيرة، كل هذه جعلت أبناءنا متمردين على مبادئنا التي عشناها ونعيشها بل في بعض الأحيان ساخرين من أقوالنا عن حب الوطن والانتماء له وعن المحبة والعلاقات الأصيلة لزماننا الذي مضى للأبد، فعلاقاتنا لا زالت قائمة للآن على المحبة وحسن الجوار والمعاملة، لم تكن قائمة على أساس المصلحة ولكنها على أساس الأصالة والصدق في المشاعر، لم نكن نعرف ديانة هذا أو ملة ذاك لكننا نعرف أن هذا إنسان ذو خُلق حسن، فكنا نعامله ونتعامل معه، أما الآن وقبل أي تعامل مع أي إنسان تجد سؤلاً ظاهره مهذب -إنت بتصلي يوم الجمعة أو الأحد؟ وبناءً على الإجابة يبدأ الحديث أو لا يبدأ أو ربما يبدأه بخباثة وتشكيك..
كانت الوظائف لكل فرد ذو كفاءة، تعتمد على الأمانة أو المؤهل الحاصل عليه، أما الآن فلا وظائف تعتمد على الكفاءة أو الأمانة أو حتى الخبرة، وأصبحت تعتمد على أشياء أخرى لم نكن نعرفها أو حتى نفكر بها.
منازلنا كانت متلاصقة، كذلك نحن وجيراننا وأصدقائنا أكتافنا متلاصقة لنحتمي ببعضنا ونتقي من الشرور وتدفئنا محبة القلوب، (الفطار عند أم محمد والغدا عندك أم مرقس والعشاء كلنا مع بعض نتلم في الحوش شيماء وأم سعيد وراحيل ومريم)، أما اليوم ذهبت شيماء وراحيل وتفككت الجدار، والأكتاف المتلاصقة تباعدت كما لو كانت خجلى من تصرفاتنا، وأصبحَ لكل أحد جداره المنفصل، وكلٌ يأكلُ بمفرده.
كانت المشاعر ملتهبة حباً ولهفة على أخبار الكل بصدق (فلانة عيانة إنت تروحي النهاردة الصبح، وأنا العصر، وإنت بكرة، وأنا حأجهز الغدا لعيالها، وإنت عليكي العشا)، حب صادق دون غش ورياء، حب للحب فقط، أما الآن فالمشاعر ملتهبة ولكن ليست حباً أو تعاوناً ولكنها ملتهبة حقداً وكراهيةً وكلٌ يترصد لكلٍ ويتصيد الأخطاء للقريب والبعيد، وآه لمن يقع تحت يده، وتزيفت المشاعر خداعاً.
عندما كنا نسافر للمصيف نرى الجيران حولنا (دي تستف الشنط ودي تخيّط السَبَت اللي فيه العيش وواحد يجيب قفة مملؤة من خيرات ربنا) وبإصرار شديد يوصلونا لمحطة القطار ودموع الوداع الحارقة تنهار في صدق، ومليون توصية بعدم الغياب كثيراً وإرسال الخطابات للاطمئنان، لذا كنا نتلهف كثيراً للعودة إلى الديار التي بها كل أحبائنا بحب واشتياق، أما الآن نهاجر إلى أبعد البلاد ولا نجد حتى ما نسميهم أصدقاء يأتوا حتى للسلام أو الوداع وربما يكون الأخير.
إذا جاءت وظيفة لأحد ما في المدن كالقاهرة أو بني سويف تجد الكل يحوط بك بحنان وإشفاق صادق وعجيب ويحاولوا أن يثنوك عن هذا العمل حتى لا تفترق الأحباب، وإيه ياولدي اللي يغربك عن بلدك وحبايبك، خليك معانا محدش بيموت من الجوع، وتيجي العشية كلها متعشية، ولقمة هنية تكفي ميه، تسمعها بكل الصدق والحب والحنان، وتجد هذا يدس في الخفاء ليدك جنيهات قليلة وتجد نفسك مُحاط بحنان يكاد يثنيك عما اعتزمت عليه من سفر، واليوم نحن الذين نشجع أبنائنا وبناتنا على السفر ليس داخل البلاد بل خارجها هرباً من مشاعر اندثرت ومن أحقاد قد تؤدي إلى فقد الحياة نفسها ومن مجاعة أسعار في تزايد مرعب دقت الأبواب.
لقد كانت أبواب منازلنا دائماً مفتوحة لا تُغلق أبداً، وكان أبناءنا مع أبناء جيراننا دائماً، أنام وأنا مطمئن إن حسين مع مريم بنتي يذاكر لها ويشرح لها الدروس الصعبة -عشان ما فيش دروس خصوصية في تلك الأيام– يعدي عليها الصبح بدري تروح معاه المدرسة لأنها صغيرة ولسه مش عارفة المكان، يقعد حسين وأحمد ومرقس يتغدوا مع بعض وأبواب منازلنا مفتوحة عشان يدخل هو ربنا النظيف داخل رئتينا فيقذف ما بها من غبار الأفكار الخبيثة، مش خايفين لكن بالعكس مطمئنين وإحنا ملمومين، كانت الطبلية تجمعنا والشاي يجمعنا، المذاكرة والنجاح وحتى الفشل كان يجمعنا، كل الأحداث كانت تجمعنا، لو بنتي أو ولدي اتأخروا عن ميعاد حضورهم للمنزل البلد كلها تتقلب وتدور لغاية ما تجمعهم، وتجمعنا معاهم، في الأفراح والأتراح كنا ملتصقين متحابين، كانت أكتافنا مُلتصقة بأكتاف أصدقائنا وجيراننا فنقي أنفسنا من لفحات الشر والدسيسة، نحتمي ببعضنا وندافع عن بعضنا، لكنه أتى الزمن التي قُفلت فيه أبوابنا، وتباعدت أكتافنا، ونجحوا في تفرقة (لمّتنا) وتجمُعنا، حتى بناتنا أصبح يلذ لهم خطفها، اعتقدوا أنه بذلك يرضون الله والدين، وهم لا يدرون أن هذا ضد الدين، لأن كل ما يؤذي الإنسان أو يضره ضد الدين، لأن الدين جاء لإسعاد الإنسان والحفاظ على كرامتة، وبهذه الأفعال أغلقوا الأبواب، أبواب المحبة والخير، أبواب الوفاء والعشرة الطيبة، وتفتحت أبواب أخرى ولكنها للشر والغدر والتربص للوقيعة واستبدلت النسمة الجميلة برياح مسمومة امتلأت بها الأمخاخ والنفوس.
أين نحن اليوم يا سادة من هذا الأمس القريب؟ أن الشعب هوهو، من الذي تغير؟ ومن الذي غيرنا؟ هل أهالينا لم يعرفوا الله مثلما تعرفونه اليوم؟ هل لم تكن لديهم ثقافة أو معرفة دينية مثل التي لديكم اليوم؟ أم أن التطرف والتعصب الأعمى أصبح هو المعرفة الحقيقية وهو الذي يبني الدول ويؤسس السياسات؟ إننا لا نتعامل بديانتنا ولكن بأخلاقنا وتربيتنا ومعاملاتنا، إننا نعمل على حسب كفاءتنا ليس على حسب مذاهبنا.
إننا نعيش مع الناس وبينهم ونتعامل معه ومع كل تعامل تكون هناك خلافات، ولكن كيف نتعامل مع هذه الخلافات؟ هذا هو الفرق بين زماننا وهذا الزمان الكئيب الذي يقف فيه كلُ للآخر.