المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السامرية


emad_fahmy
11-27-2007, 08:51 AM
السامرية


اسم الكاتب : عساسى عبد الحميد
26/11/2007

التقيت به عند أطراف قريتنا ذات ظهيرة وأنا أتأهب لملء جرتي من بئرنا العتيقة، كان التعب بادياً على عينيه الواسعتين، وكان العرق يتدفق من جبينه الساطع كالينبوع، عرفت من لباسه وكلامه أنه يهودي، فلم نكن نحن السامريون مقبولين عند جيراننا اليهود، لأنه كان يُنظر إلينا كأغراب اختلطت دمائهم بالأمم رغم أننا نحفظ الشريعة بإخلاص وننتظر وعد الرب كسائر أبناء يعقوب.
لقد طلب مني ذلك الغريب ماء مقابل ماء، وأخبرني أنه سيجعل حياتي أحسن إن استمعت إليه بروحي، لم أفهم مغزى كلامه في بادئ الأمر، لكن شيئاً فشيئاً بدأت رنة صوته تستهويني وتدب نحو قلبي وتغمر كياني بسلاسة عجيبة تماماً كما يغمر نور الفجر أودية جرزيم وعيبال، لم يكن حديثه كسائر الوعاظ فقد كان فيه مسحة من عبق الأقدمين وحكمة التوراة، حدثني عن أنوار السماء المشعة وعن بركة الله التي تحل على أطفالنا وعن سنابل الحقول المثقلة، وحدثني عن أمور أخرى عظيمة جعلتني أترك جرتي عند حافة البئر لأنهل من ينبوع ذلك الغريب الذي مر ذات يوم على مقربة من مضاربنا. لقد ذاب قلبي وتحرك شيء ساكن في أعماقي.
لقد كانت السامرة تتشح بثوب الغروب وكان ثغاء الخراف يملأ الحظائر عندما عدت من بئر أبينا يعقوب لأخبر كل من التقيته أنه قام في اليهودية نبيٌ عظيمٌ، وأن المسيا الذي تحدث عنه موسى قد كلم سامرية خاطئة فصنع منها في ساعة ولحظة امرأة من طينة جديدة، امرأة تحس بيد الله الرحيمة وتدخل هيكل الرب في أية لحظة شاءت وفي أي مكان، امرأة تحس بشوق لذاتها الكبرى فتناجي الله بعمق وفرح.
واليوم وقد مرت سنون عديدة على لقائي بالناصري العجيب، وعلمت أن اليهودية وروما قد أجرمتا في حق رجل بار فصلبوه كمجرمٍ قاتلٍ، لم يعلم الجناة أنهم بفعلتهم هذه قد منحوا الرجل الوحيد قدرة أكبر على الكلام وقوة أعظم على الجذب، فقد حمل تلاميذه كلمته الحية بكل جرأة إلى مصر وإنطاكية وفارس، وعلمت أن هناك من دوّن كلامه وحدّث أناساً من بلدان قاصية عن لقاء يسوع بالسامرية، وإنه لشرف لي أن تذكر الأمم امرأة من السامرة رأت المسيا عن قرب، فعلمها كيف تملأ جراراً عديدة دون ملل، وتسقي المارة وعابري السبيل من ماء زلال، لأننا كلنا عند التحقيق مارة وعابرو سبيل والقليل منا يرضى بمهنة السقاء المانح.
ورغم ثقل كل هذه السنين علي، فإني ما زلت أقصد تلك البئر من حين لآخر لأبقى قربها لساعات طوال أستحضر فيها ذكرى رجل عجيب قال أن مملكته ليست من هذا العالم، وكلما أردت نصح أحدهم خبّرتَهُ عن لقائي بيسوع الناصري في ذلك المكان عند بئر أبينا يعقوب بالسامرة.
عساسي عبدالحميد – المغرب

bent elmasee7
03-22-2008, 02:23 PM
ميرسي عماد على الموضوع